الشيخ محمد رشيد رضا

79

الوحي المحمدي

عم اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ما ذا ترى ؟ فأخبره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بخبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس « 1 » الذي نزّل اللّه على موسى ، ليتني فيها جذعا « 2 » ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أو مخرجى هم ؟ » قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن لم يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب « 3 » ورقة أن توفى وفتر الوحي « 4 » . قال ابن شهاب : وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه : « بينما أنا ماش إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فرعبت منه فرجعت فقلت زملوني فأنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ إلى قوله : وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [ المدثر : 1 - 5 ] ، فحمى الوحي وتتابع « 5 » أ . ه .

--> مسلم : فكان يكتب الكتاب العربي . ولا تنافى بين الروايات إذ كان يعرف اللغتين . وورقة ابن عم خديجة ، وأما قولها له : اسمع من ابن أخيك فهو من باب التوقير لسنه واستعطاف الرحم . وكذا قوله للنبي صلّى اللّه عليه وسلم يا ابن أخي ، وما زال يستعمل في خطاب أولاد الأقرباء والأصدقاء . ( 1 ) الناموس : في اللغة صاحب السر ، والمراد بن أمين الوحي جبريل ، وقوله : « نزل الله على موسى » ولم يقل وعيسى ؛ لأن الشبه بين الوحي إلى موسى ومحمد عليهما السلام أتم ؛ لأن كلا منهما أوتى شريعة تامة مستقلة في عباداتها ومعاملاتها وسياستها وقوتها العسكرية ، وعيسى عليه السلام كان تابعا لشريعة التوراة وناسخا لبعض الأحكام التي يقتضيها الإصلاح ومبشرا بالنبي الذي يأتي من بعده بالشرع الكامل العام الدائم وهو محمد رسول الله وخاتم النبيين ، وفي بعض الروايات الضعيفة : أن ورقة قال : « ناموس عيسى » ، وفي رواية أخرى حسنة الإسناد في دلائل النبوة لأبى نعى : أن خديجة جاءت ورقة وحدها أولا فذكرت له الخبر فقال لها : إن كنت صدقتني إنه ليأتيه ناموس عيسى الذي لا يعلمه بنو إسرائيل أبناءهم أ . ه . والناموس واحد على كل حال . ولكن رواية الصحيحين : « فانطلقت به » تدل على التعقيب أي أنها ذهبت به عقب تحديثها بما رأى وعليها المعول ، وما خالفها مرسل مروى بالمعنى الذي فهمه عبيد بن عمير ومن دونه . ( 2 ) قوله : ليتني فيها جذعا : الجذع بفتحتين خلاف المسن من البهائم واشتهرت استعارته للشاب من الناس . والإخراج : النفي من الوطن . ( 3 ) لم ينشب - بفتح الشين المعجمة - أي : لم يلبث بعد هذا أن توفى ولم ينل ما يتمناه من إدراك زمن تبليغ الرسالة لينصر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولكن في سيرة ابن إسحاق وتبعه غيره أن ورقة كان يمر ببلال وهو يعذب ، ومقتضاه أنه أدراك زمن البعثة واضطهاد المشركين للمؤمنين . والمعتمد ما في الصحيح من أنه توفى عقب هذا الحديث بقليل . ( 4 ) فتر الوحي : انقطع مؤقتا ليعود - وكانت فترة الوحي ثلاث سنين - وهي ما بين بدئه بأمر جبريل له بالقراءة وبين نزول أول سورة المدثر التي أمر فيها بإنذار الناس . ( 5 ) أي اتصلت مدة التبليغ كلها وهي عشرون سنة ولكنه كان نجوما متفرقة حسب الحاجة ، فتارة تنزل